نستيقظ باكرا مع زقزقة الزرازير في كل صبحية، وقبل أن نغسل وجوهنا بالماء المنعش نمسك بالجريدة ونتفحصها جيدا من تحت الى فوق والأمل يحدونا أن نجد عنوانا كتب بالبنط العريض على الصفحة الأولى يقول: «في حادثة هي الأولى من نوعها في التاريخ، تبخر واختفى أمس معظم «البدون» من الكويت وتحول البقية منهم الى فراشات ملونة تطير في الفضاء الفسيح»!
بعد سنوات من الأمل والترقب بدأ بعضنا يستسلم للأمر الواقع ويتعايش مع الحقيقة المرّة بأن «البدون» باقون في «مخيمات اللاجئين» نفسها التي حاصرناهم بها منذ سنوات، وبأن سياستنا في التطفيش والحرمان من وثائق الاثبات والاهانة في المعاملات الرسمية والاذلال في شتى وسائل الاعلام لم تؤت أكلها ولم نستطع الكشف عن هوياتهم الحقيقية حتى نبعدهم (أي نسفرهم «بالكويتي») الى بلادهم الأصلية (ونفتك منهم)!
تفتق ذهننا عن حيلة جديدة حسدنا عليها العدو قبل الصديق، فألصقنا بهم صفة «مقيمين بصورة غير قانونية» حتى يعرفوا بأننا نتبرأ منهم الى يوم الدين وبأنهم لا ينتمون لهذه البلاد وليس من حقهم الاحساس بالولاء والمواطنة للكويت.
لكن قاتل الله عجوز النار.. الشمطاء بريجيت باردو ومن هم على شاكلتها، فقد بدأوا بحقوق الخراف وانتهوا بحقوق «البدون» (وليتهم توقفوا عند الخراف فقط)، فأصبحنا ملزمين أمام المحافل الدولية مثل مفوضية الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الأميركية بأن نجد حلا آخر (غير «مقيم بصورة غير قانونية») لهؤلاء «اللي ما يتسموش»!
والآن أصبحنا أمام حلين لا ثالث لهما. الحل الأول يرضي الله ولكنه قد لا يرضي البعض منا، لأن معناه أن نقتسم الكعكة مع كل هؤلاء، وهذا آخر ما نفكر فيه! والحل الآخر هو أن نجنّس عشرة آلاف منهم «على دفعات مقسطة بالتقسيط المريح» (ألفين حداً أقصى كل سنة)، وبقية المائة ألف أو يزيدون نعطيهم اقامة دائمة ونعاملهم كوافدين هم.. وأبناءهم من بعدهم.. وأحفادهم.. وأحفاد أحفادهم.. حتى يرث الله الأرض ومن عليها!
هذا تفكيرنا نحن القلة الذين تقبلنا حقيقة وجود «البدون» بيننا وتعاطفنا «نوعا ما» مع قضيتهم، أما البقية الباقية من المجتمع (ومنهم نواب في المجلس) فما زالوا الى اليوم يحلمون ويأملون أن يتحول «البدون» الى.. فراشات!